الصدقة الالكترونية || فضل الصدقة - الجزء الثالث
اسم المقالة : فضل الصدقة - الجزء الثالث
كاتب المقالة : images/no-pic.gif

9ـأنها بوابة لسائر أعمال البر:
جعلالله الصدقة والإنفاق في مرضاته مفتاحاً للبر(100)وداعيةللعبد إلى سائر أنواعه؛ وذلك لأن المال من أعظم محبوبات النفس؛ فمن قدممحبوب الله على ما يحب فأعطى ماله المحتاجين ونصر به الديـن وفقـه اللهلأعمـال صالحـة وأخـلاق فاضـلة لا تحصل له بدون ذلك، وآتاه أسبابالتيسير بحيث يتهيأ له القيام ببقية أعمال البر فلا يستعصي شيء منهاعليه، يدل لذلك قوله ـ تعالى ـ:فأمامن أعطــى"واتقـــى"5 وصــدقبالحسنى"6 فسنيسرهلليسرى"{الليل:5 - 7} قالالسعدي في تفسيره:" فسنيسرهلليسرى:أي:نيسرله أمره، ونجعله مسهلاً عليه كل خير، ميسراً له ترك كل شر؛ لأنه أتىبأسباب التيسير، فيسر الله له لذلك"(101).
وقدأوضح الله هذا الأمر وجلاَّه في قوله ـ عز وجل ـ:لنتنالوا البر حتى"تنفقوامما تحبون {آلعمران:92} أي:لنتنالوا حقيقة البر الذي يتنافس فيه المتنافسون، ولن تدركوا شأوه، ولنتلحقوا بزمرة الأبرار حتى تنفقوا مما تَهْوَوْن من أموالكم ومن أعجبهاإلى أنفسكم(102).
وقدفقه الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ هذا التوجيه الرباني فحرصوا على نيل البروكمال الخير بالنزول عما يحبون وببذل الطيب من المال نصرة للدين وسداًلحاجة المساكين، سخية به نفوسهم طمعاً في ثواب الله وإحسانه(103)،فكان الواحد منهم إذا ازداد حبه لشيء بذله لله رجاء نيل البر؛ فهذا أبوطلحة ـ رضي الله عنه ـ كان أكثر الأنصار بالمدينة مالاً، وكان أحبأمواله إليه حديقة يقال لها:بيرحاء،فلما نزلت هذه الآية:لنتنالوا البر حتى"تنفقــوامما تحبـــون {آلعمران:92} قامإلى رســـول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"إنالله يقول في كتابه:لنتنالوا البر حتى"تنفقوامما تحبون وإن أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برهاوذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت..."(104)،وقال زيد بن حارثة لما نزلت هذه الآية:"اللهمإنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إلي من فرسي هذه"،وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:هذهفي سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :قدقبلها الله منك"(105)،"وكتبعمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من جلولاء يومفتحت مدائن كسرى في قتال سعد بن أبي وقاص، فدعا بها عمر بن الخطابفأعجبته فقال:إنالله يقول:لنتنالوا البر حتى"تنفقوامما تحبون فأعتقها"(106).
وقالعبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ:"تلوتهذه الآية:لنتنالوا البر حتى"تنفقوامما تحبون فذكرت ما أعطاني الله فما وجدت شيئاً أحب إليَّ من جاريتيرضية فقلت:هيحرة لوجه الله"(107)،ومرة كان راكباً على راحلة عظيمة فأعجبته فأناخها وجعلها لله تعالى(108).
وعلىهذا الدرب سار كثير من سلف الأمة وصالحيها؛ فهذا الربيع بن خثيم كان إذاجاءه السائل يقول لأم ولده:يافلانة!أعطيالسائل سُكَّراً؛ فإن الربيع يحب السُّكَّر.قالسفيان:يتأولقوله ـ عز وجل ـ:لنتنالوا البر حتى"تنفقوامما تحبون (109)،وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يشتري أعدالاً من سُّكَّر ويتصدقبها، فقيل له:هلاَّتصدقت بقيمتها؟ فقال:لأنالسُّكَّر أحب إليَّ؛ فأردت أن أنفق مما أحب (110).
وكانلزوجة عمر بن عبد العزيز جارية بارعة الجمال، وكان عمر راغباً فيها،وكان قد طلبها منها مراراً فلم تعطه إياها، ثم لما ولي الخلافة زينتهاوأرسلتها إليه، فقالت:قدوهبتكها يا أمير المؤمنين فلتخدمك، قال:منأين ملكتِها، قالت:جئتبها من بيت أبي عبد الملك، ففتش عن كيفية تملكه إياها، فقيل:إنهكان على فلان العامل ديون فلما توفي أُخذت من تركته، ففتش عن حال العاملوأحضر ورثته وأرضاهم جميعاً بإعطاء المال، ثم توجه إلى الجارية ـ وكانيهواها هوى شديداً ـ فقال:أنتحرة لوجه الله تعالى(111).
فهذاهدي السلف؛ فهل من متأس بهم وسائر على نهجهم ؟!
10ـإدراك المتصدق أجر العامل:
ماأسعد المتصدقين!إذدلت النصوص الثابتة على أن صاحب المال يدرك بتصدقه وإنفاقه من ثواب عملالعامل بمقدار ما أعانه عليه حتى يكون له مثل أجره متى استقل بمؤونةالعمل من غير أن ينقص ذلك من أجر العامل شيئاً، ومن هذه النصوص الدالةعلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم :"منفطَّر صائماً كتب له مثل أجره لا ينقص من أجره شيء"(112)،وقوله صلى الله عليه وسلم :"منجهز غازياً فقد غزا، ومن خلف غازياً في سبيل الله بخير فقد غزا"(113)،ومعناه:أنهمثله في الأجر ما دام قد أتم تجهيزه أو قام بكفاية من يخلفه بعده(114)،وجاء الحديث عند البيهقي بلفظ:"منجهز حاجاً أو جهز غازياً أو خلفه في أهله أو فطَّر صائماً فله مثل أجرهمن غير أن ينقص من أجره شيئاً"(115).
والأمرغير مقصور على هذه العبادات بل شامل لجميع الطاعات؛ فمن أعان عليها كانله مثل أجر فاعلها(116).
فيامن يستطيع أن يجاهد وهو قاعد، ويصوم وهو آكل شارب، ويعلِّم القرآن،وينشر الخير، ويدعو إلى الله في كل مكان وهو في بيته لم يباشر من ذلكشيئاً لا تَحْرم نفسك الأجر ولا تمنعها الثواب، واعمل بوصية رسول اللهصلى الله عليه وسلم لك حين قال:"اغتنمخمساً قبل خمس ـ وذكر منها ـ:وغناكقبل فقرك"(117)،واعلم بأن المال زائل والعمل باق؛ إذ لم يخلد أحد مع ماله، ولم يدخلمالٌ القبر مع صاحبه، بل هو وديعة لديك، ولا بد من أخذها منك، فما بالكتغفل عن ذلك؟!

هوامش :

(100) البر: جماع الخير والطريق الوصل إلى الجنة. انظر: تيسير الكريمالرحمن، للسعدي: 111.
(101) تيسير الكريم الرحمن، للسعدي: 857.
(102) انظر: إرشاد العقل السليم، لأبي السعود: 2-57، شرح الموطأ،للزرقاني: 4-538.
(103) انظر: في ظلال القرآن، لسيد قطب: 1-424. (104) البخاري، فتح: 5-454رقم: 2758، مسلم: 693 رقم: 998 واللفظ له.
(105) تفسير عبد الرزاق: 1-126، جامع البيان، للطبري: 6-592 رقم: 7398،تفسير عبد بن حميد كما في الدر المنثور للسيوطي: 2-261.
(106) جامع البيان، للطبري: 6-588 رقم: 7392، الجامع لأحكام القرآن،للقرطبي: 4-133.
(107) المستدرك، للحاكم: 3- 568. (108) انظر: الحلية، للأصفهاني: 1- 294 ـ295.
(109) انظر: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي: 4- 133. (110) انظر: المصدرالسابق: 4- 133.
(111) انظر: إرشاد العقل السليم، لأبي السعود: 4-58.
(112)المسند، لأحمد: 28-261 رقم: 17033، صحيح ابن حبان: 8-216 رقم: 3429واللفظ له، وهو حديث صحيح.
(113) البخاري ، فتح: 6-58 رقم 2843، مسلم: 2-1506 رقم: 1895. (114) انظر:فتح الباري، لابن حجر : 6- 59.
(115) شعب الإيمان، للبيهقي: 3-480 رقم: 4121، ورجاله ثقات. (116) انظر:فيض القدير، للمناوي: 6-114.
(117) المستدرك، للحاكم: 4-306، وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني فيصحيح الجامع: 1-243 رقم: 1077
تاريخ الاضافة: 12/05/2012
طباعة