الصدقة الالكترونية || فضل الصدقة - الجزء الرابع
اسم المقالة : فضل الصدقة - الجزء الرابع
كاتب المقالة : images/no-pic.gif

11ـأن الجزاء عليها من جنس العمل:
منأنفق شيئاً لله عوضه الله من جنس نفقته ما هو خير له، فيُحِسن إليه مننوع ما أحسن، ويُعطيه من مثل ما أعطى، جزاءاً وفاقاً، وقد دلت على ذلكأحاديث وآثار عديدة، منها:أنرجلاً جاء بناقة مخطومة فقال:هذهفي سبيل الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :"لكبها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة"(1)،وقوله صلى الله عليه وسلم :"منأعتق رقبة مسلمة أعتق الله له بكل عضو منها عضواً من النار حتى فَرْجهبفَرْجه"(2)،وقوله صلى الله عليه وسلم :"لايستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة"(3)والسترهنا شامل لمعايب العبد وعورته(4)،وقول أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ:"أيُّمَامسلم كسا مسلماً ثوباً على عُري كساه الله من خضر الجنة، وأيُّمَا مسلمأطعم مسلماً على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيُّمَا مسلم سقىمسلماً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم"(5).
ولايقتصر الأمر على المجازاة على الصدقة بمثلها؛ بل الأمر يتجاوز ذلك إلىحال المتصدق عليه؛ إذ بمقدار إدخالها للسرور عليه، وإزالتها لشدائده،وتفريجها لمضايقه، وإصلاحها لحاله، ومعونتها له وسترها عليه؛ ينالالمتصدق أجره من الله من جنس ذلك، يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"مننفَّس عن مؤمن كُربة من كُرب الدنيا نفَّس الله عنه كُربة من كُرب يومالقيامة، ومن يَسَّر على مُعسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومنستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كانالعبد في عون أخيه"(6)،وقوله صلى الله عليه وسلم :"منيلق أخاه المسلم بما يحب لِيَسُرَّه بذلك، سرَّه الله يومالقيامة"(7).
وقدأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوقوع ذلك فقال صلى الله عليه وسلم :"كانتاجر يداين الناس، فإذا رأى معسراً قال لفتيانه:تجاوزواعنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه"(8).
وقالصلى الله عليه وسلم :"إنرجلاً لم يعمل خيراً قط (9)،وكان يداين الناس فيقول لرسوله:خذما تيسر، واترك ما تعسر، وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا، قال:فلماهلك، قال الله:هلعملتَ خيراً قط؟ قال:لا؛إلا أنه كان لي غلام، وكنت أداين الناس، فإذا بعثته ليتقاضى قلت له:خذما تيسر واترك ما تعسر وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا، قال الله ـ تعالى ـ:قدتجاوزت عنك"(10).
وعنحذيفة ـ رضي الله عنه ـ قال:"أُتيَاللهُ بعبدٍ من عباده آتاه الله مالاً فقال له:ماذاعملتَ في الدنيا؟ قال:ولايكتمون الله حديثا {النســـاء:42} قــال:مـاعملتُ من شيء يا ربِّ إلا أنك آتيتني مالاً فكنت أبايع الناس، وكان منخُلُقي أن أيسر على الموسر وأُنظِر المعسر، قال الله ـ تعالى ـ:أناأحق بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي".قالعقبة بن عامر الجهني وأبو مسعود الأنصاري:هكذاسمعنا من فِي رسول الله #(11).
فيامن يرى ضخامة ذنبه وعظم تقصيره في حق ربه اشترِ نفسك وأكثر صدقتك فداءاًلنفسك، وتفريجاً لكربتك، وإزالة لشدتك في قبرك وبين يدي ربك؛ فإن اليومعمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل "ومنبطَّأ به عملُه لم يسرع به نَسبُه"(12).
12ـإظلالها لصاحبها في المحشر:
فيالمحشر حر شديد يفوق الوصف؛ إذ يمكث العباد فيه مـدة طويلة مقدارهاخمســـون ألف سنة لا يأكلون ولا يشربون، والشمس دانية من رؤوسهم ليسبينهم وبينها إلا مقدار ميل، فترتوي الأرض من عرقهم ويذهب فيها سبعينذراعاً، ثم يرتفع فوقها؛ فيكون الناس في العرق على قدر أعمالهم؛ فمنهممن يكون العرق إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلىحِقوَيْه ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً(13).
وهناكآخرون من ذوي الأعمال الجليلة والرتب الرفيعة لا يعانون من شيء من ذلك،ومن هؤلاء المتصدقون الذين أفادت النصوص بأنهم يكونون في المحشر في ظلصدقاتهم تحميهم من شدة الحر، وتدفع عنهم وهج الشمس(14)،ومنها قوله صلى الله عليه وسلم :"كلامرئ في ظل صدقته حتى يُفصل بين الناس"(15).
ولايتوقف الأمر على ذلك، بل إن العبد متى فرَّج عن غريمه أو عفا عنه، ومتىأسرَّ بصدقته وأخفاها كان ذلك مؤهلاً له للاستظلال في ذلك الموقف العظيمتحت العرش، لقوله صلى الله عليه وسلم :"مننفَّس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة"(16)،وقوله صلى الله عليه وسلم :"سبعةيظلهم الله ـ تعالى ـ في ظله يوم لا ظل إلا ظله ـ وذكر منهم ـ:ورجلتصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه"(17).
وقدأدرك السلف هذا الأمر واستوعبوه، فاعتنوا بالصدقة والإنفاق في مرضاةالله ـ تعالى ـ أيما عناية؛ ومواقفهم في ذلك أكثر من أن تحصر، ومن ذلكأن الفاروق عمر ـ رضي الله عنه ـ أرسل بأربعمائة دينار مع غلام إلى أبيعبيدة، وقال للغلام:تَلَهَّساعة في البيت حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها الغلام إليه، فقال:يقوللك أمير المؤمنين:اجعلهذه في بعض حاجتك.فقال:وصلهالله ورحمه.ثمقال:تعالَيْيا جارية!اذهبيبهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان.حتىأنفدها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره، ووجده قد أعد مثلها لمعاذ، فقال:اذهببها إلى معاذ بن جبل ثم تَلَهَّ في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع.فذهببها إليه، فقال:يقوللك أمير المؤمنين:اجعلهذه في بعض حاجتك.فقال:وصلهورحمه، تعالَيْ يا جارية!اذهبيإلى فلان بكذا، وإلى بيت فلان بكذا، وإلى بيت فلان بكذا.فاطلعتامرأة معاذ، فقالت:نحنوالله مساكين فأعطنا.فلميبق في الخرقة إلا ديناران فدفع بهما إليها، ورجع الغلام إلى عمر فأخبرهفَسُرَّ بذلك، وقال:إنهمإخوةٌ بعضهم من بعض"(18).
وهذامـرثد المزني الفقيه الثبت كان لا يخطئه يـوم لا يتصدق فيه بشيء، ولايخرج إلى المسجد إلا وفي كُمِّه صدقة:إمافلوس، وإما خبز، وإما قمح حتى ربما شوهد ومعه في كُمِّه بصل، فيقال له:إنهذا ينتن ثيابك.فيقول:إنيلم أجد في البيت شيئاً أتصدق به غيره، إنه حدثني رجل من أصحاب رسول اللهصلى الله عليه وسلم :أنرسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ظلالمؤمن يوم القيامة صدقته"(19).
وهذاشبيب بن شيبة يقول:"كنابطريق مكة وبين أيدينا سفرة لنا نتغدى في يوم قائظ، فوقف علينا أعرابيومعه جارية له زنجية، فقال:ياقوم!أفيكمأحد يقرأ كلام الله حتى يكتب لي كتاباً؟ قال:قلنا:أَصِبْمن غدائنا حتى نكتب لك ما تريد.قال:إنيصائم.فعجبنامن صومه في تلك البرية، فلما فرغنا من غدائنا دعونا به، فقلنا:ماتريد؟ فقال:أيهاالرجل!إنالدنيا قد كانت ولم أكن فيها، وستكون ولا أكون فيها، فإني أردت أن أعتقجاريتي هذه لوجه الله وليوم العقبة، أتدري ما يوم العقبة، قوله ـ عز وجلـ:فلااقتحم العقبة 11وماأدراك ما العقبة {البلد:11،12}،فاكتب ما أقول لك ولا تزيدن حرفاً:هذهفلانة خادم فلان قد أعتقها لوجه الله وليوم العقبة.قالشبيب:فأتيتبغداد فحدثت بهذا الحديث المهدي، فقال:مائةنسمة تُعتق على عُهدة الأعرابي"(20).
13ـتوفيتها نقص الزكاة الواجبة:
أوجبالله الزكاة وجعلها أهم أركان الإسلام العملية بعد الصلاة، فقال ـسبحانه ـ:وأقيمواالصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين {البقرة:43}،كما عد عدم إخراجها من خصال المشركين فقال ـ تعالى ـ:وويلللمشركين 6الذينلا يؤتون الزكاة {فصلت:6،7}،ورتب الوعيد الشديد على البخل بها وعدم إخراجها فقال:ـعز وجل ـ:والذينيكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم 34يوميحمى"عليهافي نار جهنم فتكوى"بهاجباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون{التوبة:34،35}،وقال صلى الله عليه وسلم :"منآتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته، مُثِّـل له ماله شجاعاً أقرع له زبيبتانيطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه ـ يعني شدقيه ـ يقول:أنامالك، أنا كنزك "ثمتلا هذه الآية:ولايحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهمسيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة {آلعمران:180}"(21).
ولايتوقف الأمر على ذلك؛ إذ قال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ:"مامانع الزكاة بمسلم"(22)،وذهب بعض أهل العلم ـ وإن كان خلاف الراجح ـ إلى كفر مـن لا يخرج الزكاةبخلاً بها أخـذاً مـن قوله ـ سبحانـه وتعالى ـ:فإنتابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين {التوبة:11} وحيثرتب الله ـ تعالى ـ فيها ثبوت أخوة الدين على هذه الأوصاف مجتمعة؛ فإذالم تجتمع انتفت الأخوة الدينية، وهي التي لا تنتفي بحال إلا بانتفاءالإيمان وخروج العبد من الإسلام(23).
ونظراًلكون الزكاة بهذه المنزلة والأهمية، والعبد عرضة للتقصير في أدائها أوالسهو في إخراجها أو الخطأ في حسابها فقد شرع الله ـ رحمةً بخلقهوإحساناً إليهم ـ صدقة التطوع لتكون توفية لنقصها، وجبراناً لخللها،وإكمالاً للعجز الحاصل فيها؛ ويشير إلى ذلك حديث تميم الداري ـ رضي اللهعنه ـ مرفوعاً قال:"أولما يحاسـب بـه العبد يـوم القيامـة الصلاة؛ فإن كان أكملها كتبت لهكاملة، وإن كان لم يكملها قال الله ـ تبـارك وتعـالى ـ لملائكته:هلتجدون لعبدي تطوعاً تكملوا به ما ضيع من فريضته؟ ثم الزكاة مثل ذلك، ثمسائر الأعمال على حسب ذلك"(24)،والذي يدل على أنه يُنظر في زكاة العبد فإن كملت كتبت له تامة، وإن ضيعشيئاً منها نظر هل له من الصدقة ما يتم به نقص الفرض، فإن لم يكن لهمنها ما يتم به نقص الفرض كان معرضاً للعقاب الشديد الذي أوضحته النصوص،وذلك إن لم يتغمده الله بعفو منه وتجاوز(25).
14ـأنها كنز لصاحبها يوم القيامة:
توزنالأعمال يوم القيامة فيكون العبد أحوج ما يكون إلى عمل صالح يثقل بهميزانه ليكون ذلك سبب سعادته وفلاحه كما قال ـ تعالى ـ:فمنثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون 102ومنخفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون {المؤمنون:102،103}والصدقةمن الأعمال الجليلة التي أخبر صلى الله عليه وسلم بأن العبد يدخرهالغده، ويكتنزها لنفسه، ويجدها عند ربه إذا قدم إليه ووقف بين يديه وافرةمحفوظة، يشهد لذلك قوله ـ تعالى ـ:وأقرضواالله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظمأجرا {المزمل:20} وقولهـ سبحانه ـ:ماعندكم ينفد وما عند الله باق {النحل:96}.
والنصوصالنبوية الدالة على أن الصدقة ذخر لصاحبها وكنز له كثيرة منها:قولهصلى الله عليه وسلم :"يقولابن آدم:ماليمالي!!وهللك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقتفأمضيت؟!"(26)،وفي روايـة:"إنمـاله مـن مـاله ثلاث:ماأكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركهللناس"(27).
بلإنه صلى الله عليه وسلم جعل الصدقة هي مال العبد الحقيقي فقال صلى اللهعليه وسلم :"أيكمماله أحـب إليه مـن مال وارثه؟ قالوا:يارسول الله!مامنا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال:اعلمواما تقولون، قالـوا:مانعلـم إلا ذاك يا رسول الله!قال:مامنكم رجل إلا مال وارثه أحب إليه من ماله.قالوا:كيفيا رسول الله؟ قال:إنمامال أحدكم ما قَدّم، ومال وارثه ما أَخّر"(28).
وقدحرص النبي صلى الله عليه وسلم على غرس هذا الأمر وتقريره في نفوسصحابته؛ فعـن أبي هريرة ـ رضـي الله عنـه ـ:"أنرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن تذبح شاة فيقسمها بين الجيران،قال:فذبحتهافقسمتها بين الجيران، ورفعت الذراع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكانأحب الشاء إليه الذراع، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قالت عائشة:مابقي عندنا منها إلا الذراع.قال:كلهابقي إلا الذراع"(29).
وقداستوعب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فزهدوا بالدنيا وأكثروامن الصدقة؛ فها هو صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه يوماً أن يتصدقوا:يقولعمر ـ رضي الله عنه ـ:"فوافقذلك مالاً عندي، فقلت:اليومأسبق أبا بكر إن سبقته يوماً، فجئت بنصف مالي؛ فقال رسول الله صلى اللهعليه وسلم :ماأبقيت لأهلك؟ قلت:مثله.وأتىأبو بكر ـ رضي الله عنه ـ بكل ما عنده، فقال له رسول الله صلى الله عليهوسلم :ماأبقيتَ لأهلك؟ قال:أبقيتُلهم الله ورسوله.قلتُ:لاأسابقك إلى شيء أبداً"(30).
وهاهو عثمان ـ رضي الله عنه ـ:"يجهزجيش العسرة ويشتري بئر رومة وأرضاً بجوار المسجد ليوسع به من صلبماله"(31)،وها هـو طلحة بـن عبيـد الله ـ رضي الله عنه ـ:"يتصدقيوماً بمائة ألف درهم، وأخرى بأربعمائة ألف، وباع أرضاً له بسبعمائةألف، فبات أرِقاً من مخافة المال حتى أصبـح ففرقه"(32)،ومعاذ ـ رضي الله عنه ـ:"كانيعطي حتى ادّان ديناً أغلق ماله"(33).
وهاهو عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ يسمـع رسول الله صلى الله عليهوسلم يحـث على الصـدقة، فيقول:"يارسول الله!عنديأربعة آلاف:ألفانأقرضهما ربي، وألفان لعيالي"(34)ثمتصدق بعد ذلك بأربعين ألف، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل علىخمسمائة فرس في سبيل الله، ثم على ألف وخمسمائة راحلة في سبيلالله"(35).
وهاهو سعيد بن عامر الجمحي ـ رضي الله عنه ـ "بعثإليه عمر بألف دينار، وقال:استعنبها على أمرك.فقالتامرأته:الحمدالله الذي أغنانا عن خدمتك.فقاللها:فهللك في خير من ذلك؟!ندفعهاإلى من يأتينا بها أحوج ما نكون إليها.قالت:نعم.فدعارجلاً من أهل بيته يثق به فصررها صرراً ثم قال:انطلقبهذه إلى أرملة آل فلان، وإلى يتيم آل فلان، وإلى مسكين آل فلان، وإلىمبتلى آل فلان.فبقيتمنه ذهيبة فقال:أنفقيهذه.ثمعاد إلى عمله، فقالت:ألاتشتري لنا خادماً؟!ومافعل ذلك المال؟ قال:سيأتيكأحوج ما تكونين"(36).
وأخبارهمـ رضي الله عنهم ـ في الزهد بالدنيا والادخار للآخرة أكثر من أنتحصى.
فكنكيِّساً يا عبد الله!وآثرآخرتك؛ فإنها أعظم من الأولى، وما عند الله خير وأبقى لك.
15ـجريان أجر الباقي منها بعد الموت:
حياةالعبد دار امتحانه وموضع سعيه، وبموته ينقطع عمله ويتوقـف كسبه؛ فلاينقـص مـن حسناته ولا يزاد إلا بأعمال محددة جلاها الشارع وأوضحتهاالنصوص(37)،ومن أجلِّ الأعمال التي تزيد الحسنات وأبرزها الصدقة الباقية بعد موتالعبد سواء ما كان منها في سبيل نصرة الدين أو في تخفيف معاناة المعوزينأو غير ذلك من أبواب البر، والأدلة على ذلك عديدة منها:قولهصلى الله عليه وسلم :"إذامات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة:ـوذكر منها ـ صدقة جارية"(38)،وقوله صلى الله عليه وسلم :"أربعةتجري عليهم أجورهم بعد الموت ـ وذكر منهم ـ ورجل تصدق بصدقة فأجرها لهما جرت"(39).
وقدوردت أحاديث تُعدد أنواعاً من هذه الصدقة الجارية (40)،ومنها:قولهصلى الله عليه وسلم :"إنمما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته ـ وذكر من ذلك ـ:ومصحفاًورَّثَه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه،أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه بعد موته"(41)،وقوله صلى الله عليه وسلم :"سبعةيجري للعبد أجرهن بعد موته وهو في قبره ـ وذكر منها ـ:أوكرى نهراً(42)أوحفر بئراً أو غرس نخلاً أو بنى مسجداً أو ورَّث مصحفاً"(43).
والصدقةالجارية كالوقف ونحوه من آثار العبد وبقايا عمله التي أخبر ـ سبحانه ـأنه يكتبها له؛ وذلك في قوله ـ تعالى ـ:ونكتبما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين {يس:12}،ومعناه:أنالله يكتب أعمال العباد التي باشروها في حياتهم، وآثارهم التي أثروها منبعدهم، فيجزيهم على ذلك إن خيراً فخير، وإن شراً فشر(44)،يقول سيد قطب:"كلما قدمت أيديهم من عمل، وكل ما خلفته أعمالهم من آثار، كلها تكتب وتحصى،فلا يند منها شيء ولا ينسى"(45)،ولأبي السعود كلام أجلى يقول فيه:" ونكتبما قدموا أي ما أسلفوا من الأعمال الصالحة وغيرها، وآثارهم التي أبقوهامن الحسنات كعلم علَّموه، أو كتاب ألَّفوه، أو حبيس وقَفُوه، أو بناءبنوه من المساجد والرباطات والقناطر وغير ذلك من وجوه البر، ومن السيئاتكتأسيس قوانين الظلم والعدوان، وترتيب مبادئ الشر والفساد فيما بينالعباد، وغير ذلك من فنون الشر التي أحدثوها وسنوها لمن بعدهم منالمفسدين"(46).
فلولم يكن في الصدقة من فضل إلا هذا لكان فيه كفاية لمن عقل وأراد النجاة.فيامن إذا مات انقطع عمله، وفاته أمله، وحق ندمه، وتوالى همه، احرص على ماينفعك، وأكثر صدقتك التي يجري أجرها لك بعد موتك؛ فإن ذلك قرض منك لكمدخر عند ربك(47).

هوامش:
(1) مسلم: 2-1505 رقم: 1892.
(2) البخاري، فتح: 11-607 رقم: 6715.
(3) مسلم: 3-2002 رقم: 2590. 
(4) انظر: تحفة الأحوذي، للمباركفوري: 8-215.
(5) سنن أبي داود: 2-130 رقم: 1682 مرفوعاً، وقد جعله ابن حجر الهيتمي فيالزواجر: 1-318 ـ 320 غير نازل عن رتبة الحسن، وضعف رفعه غير واحد، وهوالظاهر، وقال أبو حاتم كما في علل الحديث لولده: 2-171 رقم: 2007 (الصحيحموقوف، والحفاظ لا يرفعونه) وقال الترمذي في جامعه: 4-633 رقم: 2449 عنوقفه: (وهذا أصح عندنا وأشبه)، وانظر تعليق الأرناؤوط على المسند 17-167،ضعيف الجامع، للألباني: 330 رقم: 2249، ولا يخفى أن مثله إذا ثبت موقوفاًفمرده إلى السماع لا الرأي.
(6) مسلم: 3-2074 رقم: 2699.
(7) المعجم الصغير، للطبراني: 2-288 رقم: 1178 وقال الهيثمي في مجمعالزوائد: 8-193 (وإسناده حسن).
(8) البخاري، فتح: 4-361 رقم: 2078.
(9) أي سوى الإسلام بما له من أركان لا يقوم بدونها كما أبان ذلك أبوحاتم. انظر: صحيح ابن حبان : 11-423.
(10) المستدرك، للحاكم: 2-28 وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي، صحيح ابنحبان: 11-422 رقم: 5043، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 1-417 رقم: 2077.
(11) المستدرك، للحاكم: 2-306، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 1-85 رقم:125. قوله: "من فِي رسول الله #": أي: من فمه.
(12) مسلم: 3-2074 رقم: 2699.    (13) انظر: مسلم: 3-196 رقم :2683، 2684.
(14) انظر: فيض القدير، للمناوي: 2-363، سبل السلام، للصنعاني: 2-141.
(15) المسند، لأحمد: 28-568 رقم: 17333، وصححه ابن خزيمة: 4-94 رقم: 2431،وابن حبان: 8-104 رقم: 3310، والحاكم: 1-416.
(16) المسند، لأحمد: 5-300، سنن الدارمي: 2-340 رقم: 2589، وصححه الألبانيفي صحيح الجامع: 2-1119 رقم: 6576.
(17) البخاري، 3-344 رقم: 1423.  
(18) الزهد، لابن المبارك: 178 رقم: 511، المعجم الكبير، للطبراني: 20 -33: 46.
(19) صحيح ابن خزيمة: 4-95.
(20) شعب الإيمان للبيهقي: 4-69 رقم: 4344.
(21) البخاري، فتح: 3-315 رقم: 1403.  (22) المصنف، لابن أبيشيبة: 2-353.
(23) الفروع، لابن مفلح: 1-296، الشرح الممتع، لابن عثيمين: 6-8، والذيبين ـ حفظه الله ـ أن هذا القول له وجه جيد في الاستدلال بهذه الآية، ثمأوضح بأنها مخصوصة فقال: (لكن دل حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ الثابتفي صحيح مسلم (1-682 رقم: 987) على أن الزكاة ليس حكمها حكم الصلاة ـ أيفي الخروج من الإسلام بتركها تهاوناً وكسلاً ـ حيث ذكر النبي # مانع زكاةالذهب والفضة، وذكر عقوبته، ثم قال: " ثم يرى سبيله إلى الجنة وإما إلىالنار" ولو كان كافراً لم يكن له سبيل إلى الجنة).
(24) سنن أبي داود: 1-541 رقم: 866، المستدرك، للحاكم: 1-262 ـ 263، وصححهالألباني في صحيح الجامع: 1-503 رقم: 2574.
(25) انظر: شرح الموطأ، للزرقاني: 1 -501، فيض القدير، للمناوي: 3-95، سبلالسلام، للصنعاني: 2-141.
(26) مسلم: 6 -2273 رقم: 2958. 
(27) مسلم: 6 - 2273 رقم: 2959.
(28) البخاري، فتح: 11-265 رقم: 6442، صحيح ابن حبان: 8-122 رقم: 333واللفظ له.
(29) مختصر زوائد مسند البزار، لابن حجر: 1-390، وحسنه الحافظ، وأوردهالهيثمي في مجمع الزوائد: 3-109 وقال: (رواه البزار، ورجاله ثقات).
(30) سنن أبي داود: 2-312 رقم: 1678، وجامع الترمذي: 5-614 رقم: 3675،وقال: حسن صحيح، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود: 1-315 رقم: 1472.
(31) جامع الترمذي: 5-627 رقم: 3703، وقال: حديث حسن، وحسنه الألباني فيصحيح سنن الترمذي: 3-209 رقم: 2921.
(32) الحلية، لأبي نعيم: 1-88. 
(33) الحلية، لأبي نعيم: 1-231.
(34) مختصر زوائد البزار، لابن حجر: 2-85 رقم: 1469.
(35) الحلية، لأبينعيم: 1-99.
(36) الحلية، لأبي نعيم: 1-246.
(37) جمع السيوطي الأعمال التي تجري للعبد بعد الموت في قوله (كما فيالديباج: 4-328):
ثم أضاف: وتعَليـمٌ لـقـــــــرآن كـريـــمٍ فخذه من أحـــــاديثَ بحصــر ِ
(38) مسلم: 2-1255 رقم: 1631.
(39) المسند، لأحمد: 5-261، المعجم الكبير، للطبراني: 8-205 رقم: 7831،وحسنه الألباني في صحيح الجامع: 1-212 رقم: 877.
(40) انظر: الترغيب والترهيب، للمنذري: 1-97، فيض القدير، للمناوي: 4-84.
(41) سنن ابن ماجه: 1-88 رقم: 242، وذكر في الزوائد تحسين ابن المنذر له،وحسنه الألباني في صحيح الجامع: 1-443 رقم: 2231.
(42) أي حفره وأخرج طينه. انظر: لسان العرب: 5-3867.
(43) كشف الأستار، للهيثمي: 1-149، جامع المسانيد والسنن، لابن كثير: 23-199 رقم: 2659، وحسنه الألباني في صحيح الجامع: 1-674 رقم: 3602.
(44) انظر: معالم التنزيل، للبغوي: 7-9، تفسير القرآن العظيم، لابن كثير:6-565..
(45) في ظلال القرآن، لسيد قطب: 5-2960 .
(46) إرشاد العقل السليم، لأبي السعود: 7-161. 
(47) انظر: فيض القدير،
تاريخ الاضافة: 12/05/2012
طباعة