الصدقة الالكترونية || فضل الصدقة - الجزء الخامس
اسم المقالة : فضل الصدقة - الجزء الخامس
كاتب المقالة : images/no-pic.gif

16ـمشروعية إهداء ثوابها للميت:
أوجب الله البر بالوالدين، وحث على صلة الأقربين، والإحسان إلى الآخرين.وإنمن أعظم البر بعد البر، والصلة بعد الصلة، وأرفع الإحسان بعد الإحساننفع من كان يُبَر في حياته ويوصل ويحسن إليه، إذا أُدخل في قبره، وتوقفكسبه، وبدأت آخرته، والسعي في إيصال الثواب إليه وهو أحوج ما يكون إلىذلك بفعل بعض الطاعات والقُرَب التي أفاد الشارع بوصول ثوابها إلى الميت(48)،ويأتي في طليعة تلك الأعمال:الصدقةعليه، والتي أجمع العلماء على نفعها له ولحوق ثوابها به للنصوص الصحيحةالواردة في ذلك(49)،ومنها:حديثعائشة ـ رضي الله عنها ـ:"أنرجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:يارسول الله!إنأمي افتُلِتَتْ نفسُها(50)ولمتوص، وأظنها لو تكلَّمتْ تصدَّقَتْ.أفلهاأجر إن تصدقتُ عنها؟ قال:نعم"(51).
وحديثأبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ:"أنرجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم :"إنأبي مات وترك مالاً ولم يوص، فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ فقال:نعم"(52).
وحديثابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ:"أنسعد ابن عبادة ـ رضي الله عنه ـ توفيت أمه وهو غائب عنها فقال:يارسول الله!إنأمي توفيت وأنا غائب عنها؛ أينفعها شيء تصدقتُ به عنها؟ قال:نعم!قال:فإنيأُشهدك أن حائطي المِـخْرَاف(53)صدقةعليها"(54).
وحديثعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:"أنالعاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة، وأن هشام بن العاصنحر حصته خمسين بدنة، وأن عَمْراً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.فقال:أماأبوك فلو أقر بالتوحيد فصُمتَ وتصدَّقتَ عنه نفعه ذلك"(55)،قال الشوكاني في شرحه له:"فأخبرهأن موت أبيه على الكفر مانع من وصول نفع ذلك إليه، وأنه لو أقر بالتوحيدلأجزأ ذلك عنه ولحقه ثوابه"(56).
وليسذلك مقصوراً على صدقة الولد عن والديه(57)،بل إنَّ تصدُّق الصاحب ينفع الميت؛ كما يدل عليه حديث واثلة بن الأسقع ـرضي الله عنه ـ قال:كنامع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبـوك فأتـاه نفــر مـن بنـيســليم، فقالـوا:يارسول الله!إنصاحباً لنا قد أوجب(58)،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"أعتقواعنه رقبة يعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار"(59).
وحينعلم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الميزة العظيمة للصدقة ـوهم من هم براً وفضلاً وإحساناً ـ بادروا إلى التصدق عـــن أمواتهــم،ومـــن ذلك:أنعبد الرحمن بن عـوف ـ رضـي الله عنه ـ تصـدق عـن والدته بعتق عشررقاب(60)،وأعتقت عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن أخ لها مات في منامه تلاداً منتلاده(61).
فياصاحب الخلق الجميل، ويا من لا تنسى بر من برك، ومعروف من أحسن إليك!ردبرهم ببرٍ أعظم، وفضلهم بفضل أجلَّ، وهم في دار الحسرة أشد ما يكونوناضطراراً إلى تفضلك ومعروفك؛ فإن الأيام دول وكما تدين تدان، فكما تبروالديك وتحسن إلى ذويك وأهل الفضل عليك يبرك أولادك ويحسن إليك ذووك ومنتفضلت عليهم في دنياك.
17ـسترها عيوب العبد واستجلابها محبة الناس وحمدهم ودعاءهم له:
الصدقةوالبر وصنائع الخير حارسة لعِرض صاحبها، غافرة لزلته، ساترة لعيوبه،متجاوزة عن هفواته، وفي المقابل فلؤم العبد وشحه من دواعي هتك عرضه،وتتبع زلاته، وكشف عيوبه، وإظهار هفواته، قال الشاعر:
ويُظهرُعيبَ المرءِ في الناس بخلُه ***ويَسترُهعنهم جميعاً سخاؤُه
تَغطَّبأثوابِ السخاءِ فإنني ***أرىكلَّ عيبٍ والسخاءُ غطاؤُه
وهيمن أسباب القُرْب من العباد ونيل مودتهم ودعائهم وتعظيمهم، والحصول علىشكرهم وثنائهم؛ فصاحبها محمود الأثر في الدنيا يحبه البعيد والداني،ويألفه المتسخط والراضي؛ لأن صاحبها بعمله ذلك يرتهن الشكر، ويسلفالمعروف ليربح المحبة والدعاء والحمد.
ولايقتصر نيل المتصدق للمحبة والشكر والدعاء من المتصدَّق عليهم فقط، بلإنه ليود المتصدق ويحمده ويدعو له من لا ينال الصدقة ولا تقدم إليه، قالأبو الفتح البستي:
أَحْسِنإلى الناسِ تَستعبدْ قلوبَهمُ ***فطالمااستعبدَ الإنسانَ إحسـانُ
مَنجادَ بالمال مالَ الناسُ قاطبةً ***إليه،والمـالُ للإنسان فتَّـانُ
أَحْسِنإذا كان إمكانٌ ومقـدرةٌ ***فلنيدومَ على الإنسانِ إمكانُ
وعلىالضد من ذلك فالبخيل ليس له خليل، وهو بشحه يستجلب السخط، ويستدعي الذموالبغض؛ فاللائق بالعاقل إذا أمكنه الله ـ تعالى ـ من حطام هذه الدنيا،وعلم زوالها عنــه، وانقلابـها إلى غـيره، وأنـه لا ينفعه في الآخرة إلاما قدم من الأعمال الصالحة، أن يكثر من الصدقات، وأعمال البر، وصنائعالمعروف، مبتغياً بذلك الثواب في العقبى، والذكر الجميل في الدنيا؛ إذالسخاء محبة ومحمدة، وسبب لنيل الدعوة بالخير، والبخل مذمة، ومبغضة،وسبب لنيل الدعوة بالشر، ولا خير في مال بدون وجود إحسان، كما لا خير فيالنطق بدون فعال.قالالشاعر:
الجودُمكرمةٌ، والبخلُ مبغضةٌ ***لايستوي البخلُ عندَ اللهِ والجودُ (62)
فيامن تريد المرتبة العالية في الآخرة، والمنزلة الجليلة في الدنيا الزمالصدقة والجود، وأكثر من الإحسان وأعمال البر، وتجنب الشح؛ فإنك قادمعلى ربك وحالك كما وصف الشاعر:
وماتزودَ مما كان يَجمَعه ***إلاحنوطاً ـ غداةَ البين ـ معْ خِرَقِ
وغيرَنفحةِ أعوادٍ تُشدُّ به ***وقلَّذلك مِن زادٍ لمنطلــقِ (63)
18ـأنها طريق للظفر بمحبة الله ورحمته ورضاه:
فيالصدقة إحسان ورحمة، وتفضل وشفقة، ولذا كانت من وسائل نيل محبة ربالعالمين، والحصول على رحمته، والظفر برضوانه؛ لأنه ـ سبحانه ـ يحبالمحسنين ويرحم الراحمين، وقد دلت نصوص القرآن والسنة على ذلك، فمما دلمنها على أن التصدق والإنفاق في مرضاة الله من دواعي حبه ـ عز وجل ـللعبد قوله ـ تعالى ـ:وأنفقوافي سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحبالمحسنين {البقرة:195} قالالسعدي:"وهذايشمل جميع أنواع الإحسان بالمال"(64).
كماأتت أحاديث عديدة تبين أن الله يحب المتصدقين وذوي البر والإحسان وصانعيالمعروف، منها قوله صلى الله عليه وسلم :"أحبالعباد إلى الله أنفعهم لعياله"(65)،وقوله صلى الله عليه وسلم :"أحبالناس إلى الله أنفعهم"(66)،ومنها:حديثأبي ذر ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً:"ثلاثةيحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله، أما الذين يحبهم الله:فرجلأتى قوماً فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينهم وبينه، فتخلف رجلأعقابهم، فأعطاه سراً لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه..."(67).
كماجاءت أحاديث تبين أن الله لا يرحم من عباده إلا الرحماء بخلقه، المشفقينعلى عباده ـ وهي صفة المتصدق ـ ومنها:قولهصلى الله عليه وسلم :"الراحمونيرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء"(68)،وقوله صلى الله عليه وسلم :"منلا يرحم الناس لا يرحمه الله عز وجل"(69).
ومنالنصوص الدالة على أن الصدقة دافعة لغضب الله وسخطه، جالبة لرضوانه قولهصلى الله عليه وسلم :"صدقةالسر تطفئ غضب الرب"(70)،وحديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ الذي تضمن قصة الأبرص والأقرعوالأعمى، وفيه قول الملَك للأعمى لما بذل المال محتسباً الثواب من اللهوأمسكه صاحباه شحاً به وبخلاً:"أمسكمالك؛ فإنما ابتليتم؛ فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك"(71).
فياطامعاً في محبة الله ورضوانه، ويا راجياً رحمته وإحسانه..عليكبالصدقة؛ فإنها نِعْمَ الوسيلة لتحقيق غايتك والوصول إلى بغيتك.
19ـأن فيها انتصاراً للعبد على شيطانه:
حذرالله عباده من الشيطان، وأوضح لهم عداوته لهم، وتوعده إياهم بإغوائهموتزيين الباطل لهم، وعمله ـ بما يستطيع ـ على إضلالهم وزجِّهم في دوامةالشهوات والشبهات، لكي يكونوا له طائعين، ولخطواته متبعين، وعن الخيرمتخاذلين، وعن رضوان ربهم متباعدين فقال ـ تعالى ـ:ولاتتبعــوا خطـــوات الشيطان إنـه لكم عدو مبين {البقرة:168}،وقال ـ سبحانه ـ حكاية عن إبليس:قالفبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم 16ثملآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجدأكثرهم شاكرين {الأعراف:16،17}،وقال ـ عز وجل ـ فيه:لعنهالله وقال لأتخذن من عبادك نصــيبا مفــروضا 118ولأضلنهـــمولأمنينهــم {النساء:118،119}،وقال ـ تعالى ـ:قالرب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين 39إلاعبادك منهم المخلصين {الحجر:39،40}.
وفيباب الصدقة فإن الشياطين تتكالب على العبد، داعية له إلى البخل، حاثة لهعلى الشح، ناهية له عن الجود والبذل، كما قال ـ سبحانه ـ:الشيطانيعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسععليم {البقرة:268} فإنهو تصدق فقد غلبهم وانتصر عليهم، يدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم :"مايخرج رجل شيئاً من الصدقة حتى يفك عنه لَحْيَيْ(72)سبعينشيطاناً"(73)،يقول المناوي معللاً ذلك:"لأنالصدقة على وجهها إنما يُقصد بها ابتغاء مرضاة الله، والشياطين بصـددمنـع الإنسـان من نيـل هـذه الدرجـة العظيمـة، فلا يزالون يدأبون في صدهعن ذلك، والنفس لهم على الإنسان ظهيرة؛ لأن المال شقيق الروح فإذا بذلهفي سبيل الله فإنما يكون برغمهم جميعاً، ولهذا كان ذلك أقوى دليلاً علىاستقامته وصدق نيته ونصوح طويته"(74).
فهلبعد هذه الرتبة من رتبة، والفضل من فضل؟ فيا من يريد إرضاء ربه،والانتصار على أعدائه، وجعل شياطينه تعيش حسرة وندامة، عليك بالصدقةوالإنفاق في طاعة ربك ومرضاته!
20ـسعة صدر صاحبها وانشراحه:
الصدقةونفع الخلق والإحسان إليهم من أسباب انشراح الصدر وسعة البال وتحصيلالسعادة؛ ومردُّ ذلك إلى شعور المتصدق بطاعة الله ـ تعالى ـ وامتثالأمره، والتحرر من عبودية المال وتقديسه، والقيام بمساعدة الآخرين،وإدخال السرور عليهم، والسير في طريق أهل الجود والإحسان، والتعرضلنفحات الرب ورحمته وإحسانه.
وعلىالضد من ذلك يكون حال البخيل؛ فإن هو همَّ يوماً بالصدقة ضاق صدره،وانقبضت يده، خوفاً من نقص المال الذي صَيَّر جمعه غايته، يقول ابنالقيم:"فإنالكريم المحسن أشرح الناس صدراً، وأطيبهم نفساً، وأنعمهم قلباً، والبخيلالذي ليس فيه إحسان أضيق الناس صدراً، وأنكدهم عيشاً، وأعظمهم هماًوغماً"(75)،ويقول ابن عثيمين:"فالإنسانإذا بذل الشيء ـ ولا سيما المال ـ يجد في نفسه انشراحاً، وهذا شيءمجرب،...لكنلا يستفيد منه إلا الذي يعطي بسخاء وطيب نفس، ويخرج المال من قلبه قبلأن يخرجه من يده، أما من أخرج المال من يده، لكنه في قرارة قلبه فلنينتفع بهذا المال"(76)لأنهقد يخرجه خجلاً من الناس أو مجاراة لهم بدون استحضار نية.
وقدضرب النبي صلى الله عليه وسلم لانشراح صدر المتصدق وانفساح قلبه، وضيقصدر البخيل وانحصار قلبه مثلاً(77)،فقال:"مثلالبخيل والمتصدق مثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلىتراقيهما، فكلما همَّ المتصدق بصدقته اتسعت عليه حتى تعفي أثره، وكلماهمَّ البخيل بالصدقة انقبضت كل حلقة إلى صاحبتها وتقلصت عليه وانضمتيداه إلى ترقوته، فيجتهد أن يوسعها فلا تتسع"(78)،قال الخطابي في شرحه:"هذامثل ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم للجواد المنفق، والبخيل الممسك،وشبههما برجلين أراد كل واحد منهما أن يلبس درعاً يستجنُّ بها على رأسهليلبسها، والدرع أول ما يلبس إنما يقع على موضع الصدر والثديين إلى أنيسلك لابسها يديه في كميها، ويرسل ذيلها على أسفل بدنه فيستمر سافلاً،فجعل صلى الله عليه وسلم مثل المنفق مثل من لبس درعاً سابغة فاسترسلتعليه حتى سترت جميع بدنه، وجعل البخيل كرجل كانت يداه مغلولتين إلىعنقه، ناتئتين دون صدره، فإذا أراد لبس الدرع حالت يداه بينهما وبين أنتمر سفلاً على البدن، واجتمعت في عنقه فلزمت ترقوته، فكانت ثقلاًووبالاً عليه من غير وقاية وتحصين لبدنه، وحقيقة المعنى:أنالجواد إذا همَّ بالنفقة اتسع لذلك صدره، وطاوعته يداه فامتدتا بالعطاءوالبذل، وأن البخيل يضيق صدره، وتنقبض يده عن الإنفاق في المعروفوالصدقة"(79).
والأمرـ كما هو متضح ـ مرتبط بالممارسة؛ فيا من تريد شرح الصدر وسعة البالوالولوج من بوابة السعادة جَرِّب تَجِدْ.
21ـنفعها المتعدي:
لايقتصر نفع الصدقة على صاحبها بل يتجاوزه إلى غيره من الأفراد، ويتخطىالأفراد إلى المجتمعات، في كثير من جوانب الحياة، ولعل من أبرز منافعهاالمتعدية ما يلي:
/إسهامهافي علاج مشكلة الفقر؛ إذ تدفع حاجة المعوزين فتسد جوعهم، وتستر عوراتهم،وتقضي ديونهم وحاجاتهم، وتفرج كربهم، وتنفس مضايقهم، وتحسن معايشهم،وتدخل السرور على قلوبهم...إلىآخر ذلك من الأعمال التي حث الشارع عليها، ورغبت النصوص والآثار فيها،ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم :"أحبالناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله ـ عز وجل ـ سرور تدخلهعلى مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً،ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف في المسجدشهراً"(80)،وقوله صلى الله عليه وسلم :"ياعائشة!استتريمن النار ولو بشق تمرة؛ فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان"(81)،وقول علي ـ رضي الله عنه ـ:"منآتاه الله منكم مالاً فليصل به القرابة، وليحسن فيه الضيافة، وليفك بهالعاني الأسير وابن السبيل والمساكين والفقراء والمجاهدين، وليصبر فيهعلى النائبة؛ فإن بهذه الخصال ينال كرم الدنيا وشرف الآخرة"(82).
/مافيها من إشاعة التكافل الاجتماعي، وعميق الأخوة، ونشر المودة، وبثالرحمة بين أفراد المجتمع المسلم؛ بحيث تجعله كأسرة واحدة متراصة يرحمفيه القوي الضعيف، ويحسن فيه القادر إلى العاجز، والغني إلى الفقير؛فتنكسر بذلك سَوْرة الحسد، وتخف حدة الحقد التي قد توجد لدى بعضالمعوزين؛ لأنهم يرون مساعدة إخوانهم الأغنياء لهم، ويشعرون بوقوفهم إلىجانبهم في أوقات الأزمات والمحن فيألفونهم ويحبونهم(83).
/مندوافع الجريمة الرئيسة شدة الفقر؛ لأنه يحمل المرء تحت ضغط الحاجة علىفعل المعايب وارتكاب المحظور، بل قد يؤدي ببعضهم إلى التسخط والاعتراضعلى الله ـ تعالى ـ وعدم الرضاء بقضائه، ولذا صح من جهة المعنى حديث:"كادالفقــر أن يكــون كفـراً"(84).
والصدقةوأعمال البر تقلل من أثر هذا الدافع جداً، فتسهم بذلك في إصلاح المجتمعووقاية أفراده من التورط في اقتراف الجريمة ـ وبخاصة المالي منها ـ لأنالفقير حين يأتيه ما يسد حاجته، ويفك كربته يرى أن الغني الذي أعطاه منماله محسناً إليه فلا يعتدي على شيء من ممتلكاته، فينتشر بذلك الأمنويعم الاطمئنان.
وفيالمقابل فإن إمساك المال والشح به بوابة المهالك كما جاء في الحديث:"واتقواالشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوامحارمهم"(85)،وفي رواية:"أمرهمبالظلم فظلموا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا"(86)قالالمناوي معللاً ذلك:"وإنماكان الشح سبب ما ذكر؛ لأن في بذل المال والمواساة تحابباً وتواصلاً، وفيالإمساك تهاجر وتقاطع، وذلك يجر إلى تشاجر وتغادر من سفك الدماءواستباحة المحارم"(87).
ولايقتصر أثر الصدقة على ذلك؛ إذ إنها تصلح أخلاق الفرد، وتمنعه من الوقوعفيما لا يحمد؛ لأن العبد متى اشتد فقره، وكثر دَيْنُه:حدثفكذب، ووعد فأخلف(88)،وحين تأتيه الصدقة تكون حجاباً بينه وبين الوقوع في ذلك.
/مافيها من نصر الحق وتقويته؛ إذ لها تأثير ظاهر في نشر الدين وقيام الكثيرمن المناشط الدعوية والعلمية، والأعمال التي يقارع بها الشر، ويذاد بهاعن حياض الدين، والواقع خير شاهد؛ إذ يجد المتأمل أن جل العمل الدعويوالخيري في أرجاء الأرض يقوم على الصدقة وصنائع المعروف؛ بحيث لو توقفتلكان ذلك سبباً في حرمان الأمة بل والبشرية من كثير مــن صنوفالخــير.
وبهذاتتجلى أهمية الدور الذي يقوم به المتصدقون في الدعوة إلى الله، وإشاعةالخير ودحض الشر، بل إن لأصحاب الأموال ـ كما يظهر ـ أجر الأعمال التيتقوم على صدقاتهم من غير أن ينقص ذلك من أجر مباشريها والقائمين عليهاشيئاً.

هـوامـش:
  _____________________________


(48) اختلف الناس في جواز إهداء ثواب القُرَب إلى الميت، على أقوال: فمنعالمعتزلة من ذلك مطلقاً، وأجاز قوم ذلك مطلقاً، وفصل آخرون فأجازوا ذلك فيبعض الأعمال دون بعض على خلاف، والراجح: جواز إهداء ثواب الطاعات التي دلتالنصوص الصحيحة على وصول ثوابها إلى الميت كالصدقة عنه والدعاء له والحجعنه، أما ما لم يثبت فيه دليل صحيح فهو باق على المنع؛ لأن الأصل فيالعبادات التوقف.
انظر: المغني، لابن قدامة: 3-519 ـ 523 ، نيل الأوطار، للشوكاني: 4-142 ـ143 ، فتاوى اللجنة الدائمة: 9-43.
(49) انظر حكاية الإجماع في: شرح مسلم للنووي: 7-125، المغني، لابن قدامة:3-519، شرح الموطأ، للزرقاني: 4-72.
(50) أي: ماتت فجأة، وانظر: فتح الباري: 3-300.
(51) صحيح البخاري، فتح: 3-299 رقم: 1388، مسلم: 1-696 رقم: 1004.
(52) المسند، لأحمد: 14-436 رقم: 8841، مسلم: 2-1254 رقم: 1630.
(53) المخراف: البستان والمكان المثمر، انظر: فتح الباري: 5-454.
(54) المسند، لأحمد: 5-201 رقم: 3080، البخاري، فتح: 5-453 رقم: 2759.
(55) المسند، لأحمد: 11-307 رقم: 6704، السنن الكبرى، للبيهقي: 6-279 وحسنإسناده الأرناؤوط.
(56) نيل الأوطار، للشوكاني: 4-141.
(57) كما ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم منهم: الشوكاني في نيل الأوطار:4-142، وانظر: الفتح: 5-390.
(58) أي: استحق النار بالقتل إن لم يتغمده الله برحمة منه. انظر: سنن أبيداود: 4-271 رقم: 3964.
(59) المستدرك، للحاكم: 2-212، صحيح ابن حبان: 10-145 رقم: 4307، وقالالأرناؤوط: (إسناده صحيح).
(60) المصنف، لعبد الرزاق: 9-60 رقم: 16342.
(61) السنن الكبرى للبيهقي: 6-279 وقال: (تلاداً من تلاده، يعني: مماليكقدماء، والتلاد كل مال قَدُم).
(62) انظر: روضة العقلاء، لابن حبان: 193، الصدقات، للضبيعي : 12.
(63) روضة العقلاء، لابن حبان: 197. 
(64) تيسير الكريم الرحمن، للسعدي: 72.
(65) رواه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن الحسن مرسلاً كما في كشفالخفاء، للعجلوني: 1-54 رقم: 128، وهو حسن لغيره، انظر: صحيح الجامع،للألباني: 1-96 رقم: 172.
(66) قضاء الحوائج، لابن أبي الدنيا: 40 رقم: 36، وحسنه الألباني في صحيحالجامع: 1-97 رقم: 176.
(67) المستدرك، للحاكم: 1-416 وقال: (صحيح على شرطهما)، صحيح ابن خزيمة:4-104 رقم: 2456، صحيح ابن حبان: 136-8 رقم : 3349 وصححه الأرناؤوط.
(68) المسند، لأحمد: 11-33 رقم: 6494 وقال المحقق: (صحيح لغيره)، وصححهالألباني في صحيح الجامع: 1-661 رقم: 3522.
(69) البخاري ، فتح: 13-370 رقم: 7376، مسلم: 2-1809 رقم: 2319 واللفظ له.
(70) المعجم الصغير، للطبراني: 2-205 رقم: 1033، وصححه الألباني في صحيحالجامع: 2-702 رقم: 3759.
(71) مسلم: 3-2276 رقم: 2964.
(72) هما عظما الحنك اللذان عليهما الأسنان. انظر: تاج العروس للزبيدي:20-145.
(73) المسند، لأحمد: 5-350، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: 3-109(رجالهثقات)، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 2-1012 رقم: 5814.
(74) فيض القدير، للمناوي: 5-504. 
(75) زاد المعاد، لابن القيم: 2-25 ـ 26.
(76) الشرح الممتع، لابن عثيمين: 6 - 10 ـ 11. 
(77) انظر: زاد المعاد،لابن القيم: 2-26.
(78) البخاري، فتح: 6 - 116 رقم: 2917 واللفظ له، مسلم: 1-708 رقم: 1021.
(79) أعلام الحديث، للخطابي: 1- 769 ـ 770 وانظر: فتح الباري، لابنحجر:3-359 ـ 360 ، فيض القدير، للمناوي: 5-506.
(80) قضاء الحوائج، لابن أبي الدنيا: 40 رقم: 36، وحسنه الألباني في صحيحالجامع: 1-97 رقم: 176.
(81) المسند، لأحمد: 6-79، وحسنه المنذري والألباني. انظر: صحيح الترغيبوالترهيب: 1-362.
(82) روضة العقلاء، لابن حبان: 194.
(83) انظر: الشرح الممتع، لابن عثيمين:6-11 ـ 12 ، الصدقات، للضبيعي: 14.
(84) جزء من حديث ضعيف رواه البيهقي في الشعب: 6-267 رقم: 6612، انظر:ضعيف الجامع، للألباني: 605 رقم: 4148.
(85) مسلم: 3-1996 رقم: 2578.
(86) تفسير النسائي: 2-409 رقم: 603، وصححه المحقق.
(87) فيض القدير، للمناوي: 1-135.
(88) انظر: البخاري، فتح: 5-74 رقم: 2327.

تاريخ الاضافة: 12/05/2012
طباعة